أبي حيان التوحيدي
124
المقابسات
محققة ، أو مصانة ملحقة ، ومعروفة محضة ، ولم يكن المذهب ما زعم . وأرباب الكلام والدين يأبون تأثير هذه الاجرام العالية ، في هذه الأجسام السافلة ، وينفون « 1 » الوسائط والوصائل ، ويدفعون الفواعل والقوابل . فحصّلت حفظك اللّه المسألة بعد تشذب الكلام فيها ، ووعيتها جهدي من أولها إلى آخرها ، بطولها وعرضها ، ودخلها ومغزاها . ولا أشك في أطراف زلت عنى عند اختلاقها واقتباسها ، وقد ثقفت الجواب عنها على أوجه أنا أجتهد في الاعراب عنها في هذا الموضع بمبلغ وسعى ؛ فإني بين فائتة لا علم لي بها . وبين زيادة لا يطمئن متن الكلام إلا بها ، وكلتاهما خطة صعبة لولا كلف النفس بالعلم ومحبتها للفائدة ، لكان الاضراب عنها أذبّ عن العرض ، وأصون للقدر ، وأبعد من استدعاء اللائمة ممن لعله لو أتى بهذا المقدار لكان عندي عظيم المنة ، حقيقا بالشكر والمحمدة فأول ما قيل في ضد هذا الكلام : هذه العلوم والمعارف كلها من أثار هذه الأجرام العلوية ، وسهام الخواطر السريعة والبطيئة والمتوسطة ، على أشكال صحيحة دائبة ، وأسباب على الطبيعة جارية . ثم رجع إلى الجواب ، فقال قائل : عن هذه المسألة ، لأعلى هذا التهويل ، جوابان مختلفان ، من وجهين مختلفين : أحدهما هو زجر عن النظر فيه لئلا يكون هذا الانسان مع ضعف مخيلته ، واضطراب غريزته ، وانفتات طينته ، وانبتات مريرته ، عن ربه بحاثا ، متكبرا على عباده ، ظانا بأنه مائتي في شأنه ، قائم بجده وقدرته ، وحوله وقوته وتشميره وتقليصه ، وتهجيره وتعريسه ، فإن هذا النمط يحجز الانسان عن الخشوع لخالقه ، والاذعان لربه ، ويبعده عن التسليم لمدبره ، ويحول بينه وبين
--> ( 1 ) في الأصل : ويتقون ، وليس هذا مما يطرد مع سياق المعنى المراد ، ولهذا أثبتنا ما رأيناه أليق بالغرض